فخر الدين الرازي
39
شرح الفخر الرازى على الاشارات
والمقدم مثله بيان الشرطية ما مر من أن العلة لا بد وأن تكون متقدمة على المعلول وبيان امتناع التالي أن وجود المحوى مع عدم الخلاء وعدم الخلاء مع وجود الحاوي لأن عدم الخلاء واجب لذاته والواجب لذاته لا يتأخر عن غيره فوجود المحوى مع ما هو مع الحاوي وما مع المع مع وجود المحوى مع وجود الحاوي فيستحيل أن يكون متأخرا عنه وان شئت قلت وجود المحوى وعدم الخلاء معا فلو تقدم الحاوي على المحوى المتقدم على عدم الخلاء أيضا لان المتقدم على المع متقدم وكان متقدما على عدم الخلاء لكان عدم الخلاء ممكنا بذاته واجبا لغيره وهو محال لأن عدم الخلاء واجبا لذاته ولقائل أن يقول إن الشرطية ممنوعة فانا بينا في النمط الخامس انا لا نعقل من تقدم العلة على المعلول الا مجرد تأثيرها فيه وانه ليس هناك متصور زائد على ذلك ثم لئن وقعت المساعدة على الشرطية فما الدليل على امتناع قوله لو كان الحاوي متقدما على المحوى والمحوى مع عدم الخلاء لزم أن يكون الحاوي متقدما على عدم الخلاء لان المتقدم على المع متقدم قلنا لا نسلم أن المتقدم على المع متقدم وبيانه أن عندكم الحاوي مع العقل الذي هو علة المحوى فالحاوى مع المتقدم على المحوى ولم يلزم عندكم تقدمه عليه فإذا لم يجب أن يكون ما مع المتقدم متقدما فلم لا يجوز أن يقال أيضا ما مع المتأخر لا يجب أن يكون متأخرا وما الفرق بين الامرين فاعلم أن هذا السؤال انما يتوجه إذا احتجنا في تقرير هذه الحجة إلى ادعاء أن المتقدم على المع متقدم ولهما يحتاج اليه لو قلنا بان عدم الخلاء ووجود المحوى معا حتى يقول بعد ذلك لو كان الحاوي متقدما على المحوى لكان متقدما على عدم الخلاء لكنا إذا قلنا عدم الخلاء هو عين وجود المحوى سقط عنا ذلك لأنه إذا كان عدم الخلاء هو عين وجود المحوى كان الحاوي المتقدم على وجود المحوى متقدما لا محالة على عدم الخلاء وانما قلنا وجود المحوى هو عين عدم الخلاء لان الخلاء أمر عدمي فعدمه عدم العدم فيكون ثبوتيا فعدم الخلاء هو عين ثبوت الملاء ولكن لقائل أن يقول عدم الخلاء واجب لذاته فلو كان عدم الخلاء نفس وجود المحوى لزم أن يكون وجود المحوى واجبا لذاته هذا خلف فهذا ما في هذا المقام من البحث ثم لئن وقعت المساعدة على أن الحاوي لو تقدم على المحوى لتقدم على عدم الخلاء فلم قلتم ان ذلك محال قوله لان المتوقف على الغير ممكن لذاته قلنا لا نسلم أن الخلاء ممتنع لذاته على ما مر لقول فيه في مسئلة الخلاء ولنرجع إلى التفسير اما قوله إذا فرضنا جسما يصدر عنه فعل فإنما يصدر عنه إذا صار شخصه ذلك الشخص المعين فاعلم أن المراد منه ان الجسم الذي يصدر عنه شيء فلا بدّ وأن يتحصل لشخصه أولا ثم بعد تمام تشخصه يصدر عنه أثره وهذا إشارة إلى أن العلة لا بد وأن تكون متقدمة على المعلول بالذات وامّا قوله فلو كان جسم فلكى علة لجسم فلكى تحويه لكان إذا اعتبرت حال المعلول مع وجود العلة وجدتها الامكان فاما الوجود والوجوب فبعد وجود العلة ووجوبها فاعلم أن المراد منه انه لما ثبت أن وجود المعلول متأخر عن وجود العلة وجب أن يكون امكان المعلول مقارنا لوجود العلة لان امكان المعلول سابق على وجوده ووجود العلة أيضا سابق على وجود المعلول فكل واحد منهما اعني وجود العلة وامكان المعلول سابق على وجود المعلول فوجب أن يكونا معا فظهر أنه لو كان الحاوي علة للمحوى لكان وجود الحاوي مع امكان المحوى وأما قوله لكن وجود المحوى وعدم الخلاء في الحاوي معا فاعلم أن المراد منه أن يبين استحالة الثاني وهو أن يكون وجود الحاوي مع امكان المحوى وبين ذلك بان قال وجود المحوى وعدم الخلاء في الحاوي معا وهذا ظاهر بل ربما ظن لشدة معيتها أن عدم الخلاء هو عين وجود المحوى على ما قررناه قبل وأما قوله فإذا اعتبرنا تشخص الحاوي العلة كان معه للمحوى امكان لان تشخص العلة مقدم في الوجود والوجوب على تشخص المعلول فاعلم أن هذا الكلام ليس فيه الا بيان ان الحاوي لو كان علة للمحوى لوجب أن يكون وجوده متقدما على وجود المحوى وان يكون مقارنا لامكان وجوده وهذا هو الذي قررناه في أول الفصل فيكون مكررا والأولى حذفه ليلا يتشوش نظم الحجة بسببه فإنك لو حذفته وضممت ما قبله إلى ما بعده انتظم الكلام هكذا لكن وجود المحوى وعدم الخلاء في الحاوي معا فلا يخلو اما أن يكون عدم الخلاء واجبا مع وجوب الحاوي أو غير واجب مع وجوبه فإن كان واجبا مع وجوبه كان المحوى واجبا مع وجوبه ولا بد في تقرير هذه المقدمة من أن يقال لان مفارق المفارق مفارق وان كان عدم الخلاء غير واجب مع وجوب الحاوي كان ممكنا لذاته وهو محال فهذا تمام تقرير هذه الحجة فظهر أن شيأ من الأفلاك الحاوية لا يكون علة لشيء من المحويات وأما قوله واما أن يكون المحوى علة للحاوى فهذا محال لان الحاوي أشرف وأقوى من المحوى والأشرف الا قوى لا يكون معلولا للأخس الأضعف ولقائل أن يقول اتفق أهل التحقيق على أن الكلام المبنى على الخسة والشرف خطابي لا برهاني ( وهم وتنبيه [ في دفع ما يوهم من إعادة محذور لزوم الخلاء ] ولعلك تقول هب أن علة الجسم الحاوي السماوي غير جسم فلا بدّ من أن تقول أنه يلزم من غير جسم حاو ومحوى سواء كان عن واحد